مصطلح أو كلمة التعريب من حيث التعريف، هو تغيير ديموغرافية ومعالم منطقة يسكنها شعوب وقوميات أخرى إلى منطقة عربية، وذلك بسبب زيادة نسبة السكان العرب وفرض اللغة العربية وتغيير معالم الفلكلور والعادات والتقاليد في المنطقة تدريجياً في إطار سياسة بعيدة المدى وعلى أساس عنصري،[1] وتوطين العرب في أراضي إقليم كوردستان العراق وإنشاء مجمعات سكنية عربية، وتغيير أسماء المدن والقرى والأحياء السكنية والمكاتب والمؤسسات الرسمية وشبه الرسمية من الكوردية إلى العربية، بهدف تغيير الديموغرافية لصالح العرب[2] وكذلك إجبار أفراد القوميات غير العربية على تغيير هويتهم القومية.
تاريخ التعريبفي الألفية الأولى قبل الميلاد، لا توجد أي إشارة لوجود العرب في المنطقة، فقط في الكتابات الآشورية في الألفية الثامنة أو التاسعة ورد ذلك الاسم. في بداية التاريخ الميلادي، ظهر قدوم القبائل العربية إلى ضفاف نهر الفرات في غرب العراق وقبائل العرب من قضاعة، تنوخ، إياد، ربيعة، بكر وتغلب التي كانت في تقدمها نحو الشرق باتجاه نهر دجلة في العراق. في سنوات ٢٢٤- ٦٣٧م استقر العرب القادمون من الجزيرة العربية على ضفاف نهر الفرات الغربية في منطقة العراق اليوم وعرفوا منطقة الحيرة كعاصمة لهم، وفي الألفية الثالثة الميلادية ظهرت دولة مدينة الحضر على ضفاف نهري دجلة والفرات، وفي جبال سنجار في الشمال وقرب مدينة المدائن في الجنوب[3].
كان أكبر حدث في تاريخ العراق هو مجيء الإسلام الذي كان له تأثير كبير على تكوين التركيبة السكانية وأدى إلى تدفق العرب إلى العراق[4]. ومن جهة أخرى، استمرت القبائل العربية المستقرة غرب نهر الفرات التي كانت تساعد جيش الإسلام في انتصاراتهم وعبرت نحو شرق نهر دجلة، كما ذهبت إلى ضفاف الجانب الأيسر من النهر الذي أصبح حدودهم مع الشعوب الأخرى.[5]
استمرت موجة تعريب العراق في العصر العباسي بقوة، لدرجة أن الحموي يقول في كتاب معجم البلدان: تعرب معظم سكان أربيل،[6] وهي إشارة واضحة لغلبة العنصر العربي واللغة العربية في تلك المنطقة، وقد ورد في كتاب تاريخ جهان نما أن سكان مدينة الموصل كورد ويتحدثون بالكوردية ويعرفون لغات أخرى مثل العربية والتركية والفارسية.[7]
وبعد الغزو المغولي توسعت هجرة العرب الرحل إلى الجزيرة (ما بين نهري دجلة والفرات) وتمكنت القبائل العربية الكبيرة من احتلال مساحة واسعة من الأراضي والمراعي، ومنها قبائل طي، جبور، دليم، عبيد، حديدي، شمر وعنزة[8].
ليس خافياً أن تاريخ أرض العرب هو تاريخ تدفقات هجرة العرب من قلب الجزيرة العربية نحو العراق والمناطق الأخرى التي أصبحت الآن عربية. هاجر جزء كبير من القبائل العربية في عام ١٦٥٠م من نجد نحو الشمال وكانوا يطلبون الإتاوات والأموال من القبائل والمجموعات المستقرة قرب نهر الفرات، ودمروا مدينة تدمر، وكانت القبائل الصغيرة تستسلم لهم بسهولة ثم حاربوا القبائل الكبيرة الأخرى لمدة ٢٠ عاماً حتى احتلوا الأراضي الخصبة.[9] استقر جزء منهم في جبل شمر الحالي وجزء آخر، وخاصة قبيلة دليم، نصبوا خيامهم بين عانة والفلوجة، واستقرت قبيلة زبيد على ضفاف نهر دجلة حتى الحلة، وذهبت قبائل شمر وطوقة إلى ما بين ديالى والكوت، وجعل جزء آخر منهم بعض مناطق الشام مكاناً لإقامتهم، وانطلقت قبيلة زوبع من الضفة اليسرى لنهر الفرات نحو بغداد.[10]
علاوة على ذلك، كان لهذه القبائل هجرات جديدة أخرى نحو شمال أماكن استقرارهم، على سبيل المثال بين عامي ١٨٦٩- ١٨٧٢م حاول مدحت باشا والي بغداد كثيراً توطين القبائل العربية الرحل التي كانت في طريقها من الجزيرة العربية نحو العراق. أهم هذه القبائل هي شمر وعنزة التي استمرت هجرتها إلى المنطقة حتى بعد الحرب العالمية الثانية.
كما أنه بعد صدور قانون الإصلاح الزراعي في عام ١٩٥٨، وزعت أراضي الزراعة على العديد من القبائل العربية الرحل، مما أدى إلى استقرارهم وفي هذا السياق تم بناء ١٦ مجمعاً سكنياً في منطقة ربيعة عام ١٩٦٠، و١٢ مجمعاً في تلعفر و١٥ في سنجار و٨ في ناحية عتبة ونواحٍ أخرى.[11]
وبالمثل بين عامي ١٩٥١- ١٩٦٥ تم إنشاء ٤٠٠ مجمع سكني في منطقة الحضر- سنجار، و٣٢٦ مجمعاً آخر في شمال وشمال شرق جبل سنجار، منها ١٥٢ مجمعاً داخل قضاء تلعفر و١٧٤ في ناحية سنجار وكان عدد المستوطنين ٥٩،٦٧٦ شخصاً. أدت هذه التغييرات إلى إنشاء أقضية الشرقاط، الحمدانية، الحضر والبعاج وأدى ذلك لاحقاً إلى تأسيس عدة نواحٍ، وقامت الحكومة العراقية بعدة تغييرات في وحداتها الإدارية، منها إخراج قضاء زيبار إدارياً من الموصل وإلحاقه بمحافظة أربيل، وفصل وحدات دهوك، زاخو، العمادية وعقرة وجمعها في محافظة جديدة باسم دهوك وإخراجها من محافظة الموصل، وهو عمل أدى إلى زيادة نسبة العرب في محافظة الموصل (تعريب الموصل).[12] كما حدثت في النصف الثاني من القرن الماضي مرحلة جديدة لتوطين القبائل العربية في الموصل وتم منح كل عائلة ١٥٠ دونماً من الأراضي الزراعية[13].
تظهر الوثائق الرسمية الخاصة بقرارات وقوانين وتوصيات سلطات حكومة العراق الاهتمام الخاص بتعريب مناطق محافظة الموصل من ثلاث جهات: وهي جبهة الموصل- شيخان، الموصل- فايدة والموصل- مخمور. جبهة الموصل شيخان كان لها في هذه السنوات الأخيرة أهمية خاصة، وذلك في كتاب محافظ نينوى رقم ٢٨٦٨ بتاريخ ٧ أيار ١٩٩٤ بوضوح بالاعتماد على إجراءات لجنة الشمال بأن جبهة الموصل- شيخان هي الجبهة الأساسية والرئيسية للتعريب، ويجب أن يبقى العرب في هذه المنطقة إلى الأبد. وفي ضوء هذا القرار؛ بدأت لجنة في محافظة الموصل بالتحقيق في العشائر والأماكن التي سيتم توطينهم فيها. كما تمت الموافقة بتوقيع طه ياسين رمضان رئيس اللجنة ونائب رئيس الجمهورية بالكتاب رقم ٢١/١٩٩٢ بتاريخ ٧ أيار ١٩٩٤ على توزيع ١١٠٠ قطعة أرض وبناء منازل للقومية العربية في مركز قضاء شيخان، بشرط نقل سجل الهوية الشخصية إلى شيخان وتسجيل تلك الأراضي بأسمائهم بعد ١٥ عاماً من سكنهم في تلك المدينة لعشائر العزاوي، الحديدي وطي والموظفين والملازمين العسكريين. محافظ نينوى في الكتاب رقم ٢٢/٢٣٣٤ بتاريخ ٢٤ كانون الأول ١٩٩٤ يطلب من قائمقام أقضية شيخان، مخمور، تلكيف وناحية فايدة الإسراع في إرسال أسماء حدودهم. كما يطلب كتاب مديرية زراعة الموصل رقم ١٧/١٦/١١٢٢ بتاريخ ٢٦ كانون الثاني ١٩٩٥ تمليك كل مناطق قضاء شيخان وفقاً لقرار مجلس قيادة الثورة لحزب البعث في العراق برقم ٣٥٨ بتاريخ ١٦ آذار ١٩٧٨ للعرب.
كانت الحكومة في محافظة الموصل تحاول تعريب الأرض الكوردية بهذه الطرق:
١- بناء مجمعات سكنية للعرب.
٢- تسجيل الأراضي والأراضي الزراعية.
٣- حملات الترحيل والتهجير.
٤- تغيير الهوية والقومية.
٥- تغييرات في الإدارة وتشكيل المديريات.
المصادر:- وليد شريكة، حقوق الإنسان وسياسة التهجير والتعريب في إقليم كوردستان العراق- التركمان نموذجاً، البحث مقدم إلى المؤتمر حول سياسة التعريب المزمن عقدة في كوردستان العراق، المنشورة.
- أحمد سوسة، تاريخ حضارة وادي الرافدين، ج٢، دار الحرية للطباعة، بغداد- ١٩٨٣.
- خليل إسماعيل محمد، إقليم كوردستان العراق، مطبعة الجامعة، أربيل- ١٣٣٩ هـ.ق.
- نوري خليل البرازي، البداوة والاستقرار في العراق، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، ١٩٦٩.
- نافع القصاب، ملامح جغرافية حول استيطان القبائل البدوية المتنقلة، مجلة الجمعية الجغرافية العراقية، م٥ لسنة ١٩٦٩، مطبعة أسعد، بغداد.
- محمد أمين زكي، خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان، محمد علي عوني، مطبعة صلاح الدين، بغداد، ١٩٦١.
- ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج١، دار الصادر، بيروت- ١٩٧٧م، ص١٣٨
- استيفن هيمسلي لونغريك، أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث، جعفر طيار، طبعة٦، ١٩٨٥.





