كان عام 1965 والسنوات التي تلته من السنوات المرة والصعبة في عمر الثورة الكردية، وفي ذلك العام وقعت الكثير من المعارك الصعبة وتحققت الكثير من الانتصارات العظيمة، وبعد انقطاع الحوار بين الثورة والحكومة العراقية استعد الطرفان للحرب والمواجهة، وتواجها في مناطق مختلفة، ووقعت معارك كبيرة وواسعة النطاق، وفي ذلك العام وقعت الكثير من الأماكن والمساحات الواسعة تحت سيطرة الثورة، وانضم عدد كبير من الناس والمسلحين التابعين للحكومة إلى صفوف الثورة، وانتشر الفكر القومي والثورة بين القبائل بعمق، وبدأت الحكومة العراقية لإضعاف الثورة واستعادة تلك المناطق التي فقدتها عدة هجمات واسعة النطاق مثل: هجوم جبل سفين وبيرة مكرون وقره داغ وأزمّر وزينتير وجبهة رواندز وغيرها الكثير، ووقعت فيها معارك وملاحم كبيرة.
جاءت ملحمة زوزك أيضاً كجزء من استمرار تلك الهجمات الواسعة التي شنها الجيش العراقي في خريف 1965 على الجبل، ولكن قبل أن ندخل في تفاصيل الهجوم يجب أن نوضح نبذة عن الموقع الجغرافي والمكان الاستراتيجي للثورة، وهو أحد الجبال الشهيرة في جنوب كوردستان، يطل على مدينة سوران ومحاط بمجموعة من القرى مثل: قرى برسيرين وبيروسوان في شرق الجبل، وكل من قرى سيتكان الشمالية وبادليان وديلزيان في الغرب، وبرزيوة وكورين وگوان في سفح الجبل، وفي أيام ثورة ايلول كانت كل واحدة من هذه القرى بمثابة ملجأ ودعم مهم للثورة في البقاء وإغاثة البيشمركة خاصة في لحظات الحرب.
كانت أهمية جبل زوزك بالنسبة لثورة ايلول من الناحية العسكرية، بسبب موقعه الجغرافي ومكانه الاستراتيجي حيث يمر طريق هاميلتون الرئيسي بسفح الجبل، من جهة لحماية الطريق ومن جهة أخرى كونه يطل على سهل ديانا، كان نقطة مهمة لربط منطقتي بارزان وبالكايتي اللتين كانتا المركز الرئيسي لقيادة ثورة ايلول. ولهذا السبب كانت الحكومة العراقية دائماً في خططها وبرامجها تهدف إلى السيطرة على المواقع الاستراتيجية وإيقاف الثورة في كل تلك الأماكن.
لحماية المنطقة ومنع احتلالها من قبل الجيش العراقي، وضعت قوات البيشمركة في كوردستان خطاً دفاعياً في جبل زوزك وممر سروت وممر عمر آغا حتى يصل إلى نهر موسكاوه وأنشأت مواقعها هناك (كردي، 2020، 315)، وكان الجيش المذكور في محاولة وخطط مستمرة لكي يصل إلى المواقع الاستراتيجية.
في بداية خريف 1965 بدأ الجيش العراقي بدعم من الطائرات الحربية وعشرات الآلاف من العسكريين والمسلحين المأجورين (جاش) هجوماً على جبل زوزك، بدأ في البداية بقصف مكثف للجبل، وبعد القصف اقتحم آلاف العسكريين العراقيين مواقع البيشمركة، وبعد عدة هجمات مكثفة تمكنوا من السيطرة على إحدى مرتفعات الجبل، وأصبح هذا مصدر خطر على مواقع البيشمركة في سفح الجبل لذلك صدر قرار بالانسحاب لكي يقوموا بهجوم عكسي بخطة محكمة ويتمكنوا من استعادة الأماكن التي فقدوها، وعلى الرغم من أن قوات البيشمركة بدأت في البداية بعدة هجمات ثانوية لاستعادة الأماكن إلا أنها لم تنجح.
ثم وبتحضيرات جيدة شنت قوات البيشمركة بهجوم واسع النطاق بقيادة حجي بيروخي قائد الكتيبة وعدد من المسؤولين العسكريين الآخرين مثل: (عريف ياسين ورمضان ياسين وجادر كويزي وعزيز خان مهاجر وصباح ميركة خيلاني وعلي شكاك وجوهر بيرسيافي) وأيضاً (حميد أفندي ومصطفى نيرويي وحسن خال حمزة) هجوماً على الجيش العراقي، وبعد معركة حامية استمرت عدة ساعات لم يستطع جنود الجيش العراقي الصمود أمام هجوم البيشمركة، بل هزموا وفروا، وألقى حوالي 21 عسكرياً بأنفسهم من الجبل خلف قرية گوان وبقي عدد كبير من جثث قتلاهم في ميدان المعركة، ولم يكن لدى قوات البيشمركة سوى شهيدين وخمسة جرحى.
أصبح هذا الانتصار للبيشمركة وهزيمة الجيش العراقي سبباً لغضب قادة الحكومة العراقية وضباطهم، لذلك قرروا أنه مهما كلف الأمر يجب احتلال هذه الأماكن والانتقام من قوات البيشمركة، ولهذا بدأوا في تاريخ 3 أيار 1966 هجوماً كبيراً من محاور جبل هندريين وزوزك وممر عمر آغا بدعم من الطائرات الحربية ومدفعية الجيش.
بعد عدة أيام من القتال المستمر الذي كان كل من (مسعود بارزاني و إدريس بارزاني) يشرفان على جبهة القتال، خاصة وأن الحكومة العراقية كانت قد مارست ضغطاً كبيراً على مواقع البيشمركة وتمكنت من احتلال عدة أماكن في جبل زوزك، كان (ملا مصطفى بارزاني) قائد الثورة حاضراً بنفسه في جبهات القتال في جبل زوزك، وتمكنت قوات البيشمركة من إلحاق الهزيمة بالجيش العراقي في كافة المحاور وإلحاق خسائر كبيرة به تمثلت في مقتل (400) عسكري وجرح (600)، ومن الغنائم التي وقعت في يد البيشمركة أربعة مدافع (75) ملم وأربعة هاونات (4,2) وعشرة هاونات (2,3) غريد و(600) قطعة سلاح خفيف و(15) جهاز لاسلكي وعدد كبير من الذخيرة.
المصادر:1- مسعود بارزاني، بارزاني وحركة التحرر الكردية، المجلد الثالث، الجزء الأول، الطبعة الأولى، أربيل 2004.
2- غازي عادل كردي، بيشمركة في خدمة بارزاني ... حجي بيروخي، المجلد الأول، الطبعة الثانية، 2020.





